فيصل البعطوط يكتب: ''أطباء في الشوارع.."

  • وطنية
  • تاريخ النشر : الأحد 26 مارس 2017
  • (17:12)
  • 1108
  • شارك على فايسبوك
  • شارك على تويتر
  • -
  • +
تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد
نشر الكاتب والاعلامي التونسي فيصل البعطوط المقال التالي على اعمدة صحيفة "العرب" القطرية:
كالعادة، لا يمر على التونسيين أسبوع دون غرائب «الانتقال الديمقراطي»... وفي كل مرة يعتقد الناس أنهم بلغوا نهاية النهاية، إلا أن النهاية تبدو بلا نهاية. فلا يبقى غير الدعاء «ربنا يستر».
ما تحتفظ به الذاكرة للخطورة خلال الأيام السبعة الماضية ثلاث محطات اعتبرها القوم «الأخطر».. فيما الواقع يقول إن تحت الأخطر لا يزال هناك ما أخطر منه.. وأولى المحطات ما أصبح في خانة «العادي» من تنابز إعلامي مفتوح للعموم. اتضح معه أن رجلي أعمال نافذين عقدا اتفاقا بأن يمسك كل منهما كلابه على الآخر.! هكذا بالحرف الذي جرى على لسان أحدهما في إحدى الإذاعات المسموعة. في إشارة إلى التردي الذي آل إليه «النقاش السياسي» في تونس... والمقصود بالكلاب هنا هم السياسيون والإعلاميون الذين يشتغلون للحساب الخاص في مناخ ديمقراطي جدا!
لا بأس.. فقد ألهم الأمر إعلاميين وسياسيين فكرة الاستقلالية عن أصحاب الكلاب.. فأطلقوا على أنفسهم تسمية «الكلاب السائبة». من دون أن يعلم أحد أيهما أخطر كلاب «الرجلين» أم الكلاب السائبة في أرض الديمقراطية الواسعة؟!
أما ثانية محطات الأسبوع العصيب فمواجهة مباشرة بين سلكين حاملين للسلاح.. رجال الأمن ورجال الجمارك في أكبر ميناء تجاري في تونس (ميناء رادس) عندما تجمع ضباط وأعوان الجمارك احتجاجا على تردي وضعياتهم فتصدى لهم رجال الأمن بقسوة لم يستسغها المحتجون. وكاد يحدث المحظور بين سلكين يحملان السلاح. لولا انتباه الصفين المتواجهين إلى أنهم «زملاء» و «رفاق سلاح» ائتمنهم الناس على أمنهم فإذا بهم يتواجهون في غير موضوع المواجهة التي بعث السلكان لها!
قد يبدو للقارئ أن سرد الأحداث تلك يحمل مبالغة في الصورة، لكنها الصورة في أصلها بلا تزيد. وقد ينذر الأمر –من بعيد- بالويل والثبور.. لكنه الخبز اليومي المعتاد للتونسيين بلا كثير تذمر!
ورغم الخطورة الأكيدة للأصوات المسعورة الهائجة بعضها على بعض في الإذاعات وعلى التلفزات. ورغم خطر داهم للأسلاك (شبه العسكرية) الحاملة للسلاح. فإن الأخطر على الإطلاق هو إغلاق كل المؤسسات الاستشفائية –خاصة وعمومية- لمدة يومين كاملين أمام المرضى. وانتشار الأطباء في الشوارع محتجين على حكم قضائي بسجن طبيب لاقترافه خطأ طبيا. هكذا تكتمل الصورة العبثية في تونس، وتنهار كل المسلمات العتيقة... فإلى وقت قريب كانت العائلات التونسية تحلم بأن يطلع منها طبيب.. ليس فقط للحاجة إليه أيام الوهن الصحي، وإنما خصوصا للمرتبة الاجتماعية التي تصنفه الأذكى في المجتمع بدليل اجتيازه بنجاح لـ21 سنة دراسة على الأقل بلا كلل ولا ملل لكي يصبح دكتورا «قد الدنيا». فيمسك المجد من طرفيه، ويرتقي بالأهل وبأهل الأهل إلى مرتبة مادية ومعنوية بلا مثيل.
هؤلاء نخبة النخبة العلمية. هم أيضاً نزحوا عن مقرات عملهم وأصبحوا يملؤون الشوارع بالصراخ والاحتجاج. واجتاحوا المواقع الإلكترونية باحثين عن هجرة إلى الخارج تعترف لهم بأنهم «الأذكى» ولا تضعهم في السجن بسبب خطأ طبي. سببه في الأصل خطأ هيكلي عام وشامل في الجمهورية الثانية.. وعندما يملأ الأطباء الشوارع فلا بد أن أمرا جللا بصدد الحدوث.. وربنا يستر.

أخبار ذات صلة

اشترك في صفحة فايسبوك الاخبارية